أحمد بن علي القلقشندي
133
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
« اعلموا أن صناعة الإنشاء أرفع ، وصناعة الحساب أنفع ؛ وقلم المكاتبة خاطب ، وقلم المحاسبة حاطب ( 1 ) ؛ وأساطير البلاغات تنسخ لتدرس ، ودساتير الحسبانات تنسخ وتدرس ( 2 ) ؛ والمنشيء جهينة الأخبار ( 3 ) ، وحقيبة الأسرار ، ونجيّ العظماء ، وكبير النّدماء ؛ وقلمه لسان أسرار ( 4 ) الدّولة ، وفارس الجولة ، ولقمان الحكمة ، وترجمان الهمّة ؛ وهو البشير والنّذير ، والشّفيع والسّفير ، به تستخلص الصّياصي ( 5 ) ، وتملك النّواصي ، ويقتاد العاصي ، ويستدنى القاصي ؛ وصاحبه بريء من التّبعات ، آمن كيد السّعاة ، مقرّظ بين الجماعات ، غير معرّض لنظم الجماعات » ( 6 ) . فهذه أرفع المراتب ، وأشرف المناقب ، التي لا يعتورها شين ، ولا يشوبها مين ؛ وصدر الكلام يقتضي التّرجيح ، ويؤذن بالتّرشيح ؛ والرّفع ، أبلغ في الوصف من النّفع ؛ فقد ينتفع بالنّزر اليسير ، ولا يرتفع إلا بالأمر الكبير ، على أنّه لو اعتبر نفع كتابة الإنشاء لكان أبلغ ، وإقامة الدّليل عليه أسوغ ؛ وأنّى لكتّاب الأموال ، من التأثير في فلّ الجيوش من غير قتال ، وفتح الحصون من غير نزال ؛ فهذه هي الخصّيصى ( 7 ) التي لا تساوى ، والمنقبة التي لا تناوى :
--> ( 1 ) أي يجمع بين الجيّد والرديء . من قولهم : « المكثار كحاطب الليل » . ( 2 ) أراد بنسخها هنا : محوها واستبدالها بسواها . ( 3 ) ويروى أيضا « جفينة الأخبار » . وهو المشار إليه في قولهم : « وعند جهينة الخبر اليقين » . ( انظر جمهرة الأمثال للعسكري : 2 / 44 ومجمع الأمثال للميداني : 2 / 3 ) . ( 4 ) هذا اللفظ ساقط من المقامات . ( 5 ) الصياصي : الحصون . ( 6 ) لنظم الجماعات : يعني جماعة مراسم أهل الأجناد وما تشتت من وجوه الدخل والخرج في البلاد . والمراد بنظمها عقد حسابها وإثباتها في كتابها . قال قدامة في كتاب الخراج : الجماعات دفاتر الرسوم والمعاملات ، منها جماعة القسمة ، وجماعة أصناف الخراج ، وجماعة العدد ، وجماعة الاستخراج ، وهي تنقل إلى الدستور . ( شرح دي ساسي لمقامات الحريري : 1 / 253 ) . ( 7 ) يقال : خصّ فلانا خصّا ، وخصوصا ، وخصوصيّة ، وخصّيصى .